“الأسرى خلف الشاشات”: القواعد الجديدة في دولة الإمارات بشأن وصول الأطفال إلى منصات التواصل الاجتماعي

مقدمة

تواجه الحكومات حول العالم معضلة مشتركة: كيف يمكن حماية الأطفال في بيئة رقمية صُمِّمت، إلى حدٍّ كبير، من دون مراعاة احتياجاتهم؟ فمن التشريع في أستراليا، بشأن الحد الأدنى لسن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، الذي يحظر على الأطفال دون السادسة عشرة استخدام هذه المنصات، إلى قانون السلامة على الإنترنت في المملكة المتحدة، وصولًا إلى إجراءات الإنفاذ التي يتخذها الاتحاد الأوروبي بموجب قانون الخدمات الرقمية ضد ممارسات تصميم المنصات التي تضرّ بالقاصرين، يتجه المسار التنظيمي في اتجاه واحد. فالمنصات الرقمية، ووسائل التواصل الاجتماعي على وجه الخصوص، تواجه مستوى غير مسبوق من التدقيق التشريعي بسبب المخاطر التي قد تُعرّض الأطفال لها، فيما تتدخل الحكومات لسدّ أوجه القصور التي عجز التنظيم الذاتي للسوق عن معالجتها.

ولا تُعدّ دولة الإمارات استثناءً من هذا التوجّه، بل إن استجابتها تُعدّ من بين الأكثر تنظيمًا حتى الآن.

فمع اعتماد إطار تشريعي مخصّص للسلامة الرقمية للأطفال، استحدثت دولة الإمارات أداتين مترابطتين تضعان، معًا، قواعد ملزمة بشأن كيفية تشغيل المنصات الرقمية، وما يتعيّن على الوالدين وأولياء الأمور القيام به للامتثال للأحكام الجديدة:

  1. المرسوم بقانون اتحادي رقم (26) لسنة 2025 بشأن السلامة الرقمية للطفل (“القانون”)، الذي دخل حيّز النفاذ في 1 يناير 2026. يسري نطاق تطبيقه بصورة واسعة على جميع المنصات الرقمية التي تعمل داخل دولة الإمارات أو تستهدف المستخدمين فيها، بما في ذلك، على سبيل المثال، المواقع الإلكترونية، ومحركات البحث، وتطبيقات المراسلة، ومنصات الألعاب، ووسائل التواصل الاجتماعي، وغيرها.
  2. قرار مجلس الوزراء رقم (106) لسنة 2026 بشأن تنظيم وصول الأطفال إلى منصات التواصل الاجتماعي (“القرار”)، الذي دخل حيّز النفاذ في 30 يونيو 2026. يترجم هذا القرار الإطار التنظيمي العام الذي أنشأه القانون إلى قواعد تنفيذية محددة تستهدف منصات التواصل الاجتماعي على وجه الخصوص.

يُشكّل القانون والقرار، معًا، منظومة تنظيمية مترابطة؛ إذ يمثّل القانون الإطار التشريعي العام، فيما يضع القرار القواعد التنفيذية والتشغيلية اللازمة لتطبيقه. وتتوحّد أهدافهما في حماية الأطفال من المخاطر الرقمية والمحتوى الضار، وتعزيز الوعي بالحقوق والمسؤوليات الرقمية لدى الأطفال والقائمين على رعايتهم، وإرساء إطار حوكمة يحدّد أدوار الجهات المعنية ومسؤولياتها في تأمين البيئة الرقمية للأطفال.

القواعد الجديدة: متطلبات الإطار التنظيمي

يضع كلٌّ من القانون والقرار مجموعة من القواعد المختلفة التي يتعيّن على المنصات الرقمية، وعلى الأفراد أو الجهات القائمة على تشغيلها، وكذلك على الوالدين أو القائمين على رعاية الطفل – وهو التعبير الذي يتردّد كثيرًا في القرار – الالتزام بها. وفيما يلي نسلّط الضوء على أبرز القواعد التي استحدثها هذا الإطار، ولا سيما تلك التي يُرجّح أن تستلزم اتخاذ إجراءات فورية أو إجراء تغييرات هيكلية من جانب الشركات التي تعمل في دولة الإمارات أو تستهدف المستخدمين فيها:

القواعد التي تسري على جميع المنصات الرقمية:

  • يتعيّن على المنصات توفير أدوات للرقابة الأبوية وإتاحتها للقائمين على رعاية الأطفال بصورة يسهل الوصول إليها واستخدامها.
  • لا يجوز جمع البيانات الشخصية للأطفال دون سن الثالثة عشرة أو معالجتها أو مشاركتها من دون موافقة أبوية صريحة وقابلة للتحقق، كما لا يجوز استخدامها، تحت أي ظرف، لأغراض تجارية أو إعلانية.
  • يتعيّن على المنصات توفير أدوات ميسّرة للإبلاغ عن المحتوى الضار، وإخطار الجهات المختصة فورًا عند اكتشاف أي مواد إباحية متعلقة بالأطفال أو أي محتوى ضار بهم.

القواعد التي تسري على منصات التواصل الاجتماعي والقائمين على رعاية الأطفال:

  • حدّ أدنى إلزامي للسن (15 عامًا): لا يجوز للأطفال دون هذه السن امتلاك حساب على منصات التواصل الاجتماعي. ولا تَرِد على هذا الحظر أي استثناءات، كما لا تؤدي موافقة الوالدين إلى تجاوزه.
  • يجب إخضاع الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و16 عامًا لوضع مقيّد إلزامي، يتضمن تصفية المحتوى، وتقييد إمكانات المشاركة، ووضع حدود قصوى لمدة الاستخدام، وتعطيل البث المباشر، والحدّ من أثر التوصيات الخوارزمية، على أن تكون هذه التدابير مفعّلة تلقائيًا.
  • يُحظر الاكتفاء بالإقرار الذاتي بالعمر. ويتعيّن على المنصات استخدام وسائل معتمدة للتحقق من السن حصرًا، مثل التحقق من الهوية الحكومية، أو المسح البيومتري للوثائق، أو تقدير العمر بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي، أو الاستعانة بمزوّد مرخّص لخدمات التحقق.
  • يُحظر توجيه الإعلانات السلوكية إلى الأطفال، ويتعيّن تعطيل أي آلية إعلانية تعتمد على تتبّع نشاط الطفل الرقمي أو إنشاء ملف تعريفي عنه.
  • يتعيّن على المنصات رصد حسابات من هم دون السن المقررة بصورة مستمرة وحذفها فورًا؛ إذ لا يكفي التحقق من العمر عند إنشاء الحساب فحسب.
  • يجب أن تعتمد الإعدادات الافتراضية دائمًا أعلى مستوى متاح من الحماية؛ فالسلامة ليست خيارًا يُفعَّل بناءً على طلب المستخدم.

الآثار العملية للإطار التنظيمي

تختلف الآثار العملية لهذا الإطار اختلافًا جوهريًا بحسب ما إذا كان المخاطَب مشغّلًا لمنصة رقمية أم قائمًا على رعاية طفل. وفيما يلي ما يُنتظر من كلٍّ منهما القيام به.

المنصات الرقمية:

  • اعتماد آليات معتمدة للتحقق من العمر؛ إذ لا يجوز الاكتفاء بالإقرار الذاتي، ويجب استبداله بالتحقق من الهوية الحكومية، أو المسح البيومتري للوثائق، أو تقدير العمر باستخدام الذكاء الاصطناعي، أو الاستعانة بمزوّد مرخّص لخدمات التحقق.
  • حظر إنشاء الحسابات كليًا للمستخدمين دون سن الخامسة عشرة، من دون أي استثناءات، ومن دون جواز تجاوز هذا الحظر بموافقة الوالدين.
  • تفعيل وضع مقيّد إلزامي للمستخدمين الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و16 عامًا، مع تشغيل إعدادات الحماية تلقائيًا.
  • تعطيل الإعلانات السلوكية وأي آلية لاستهداف الإعلانات تعتمد على تتبّع النشاط الرقمي للطفل أو إنشاء ملف تعريفي عنه.
  • المراقبة المستمرة لرصد حسابات من هم دون السن المقررة وحذفها؛ إذ لا يفي التحقق عند إنشاء الحساب وحده بهذا الالتزام.
  • إجراء تقييمات دورية لمخاطر السلامة الرقمية، ورفع تقارير إلى الجهات المختصة بشأن تدابير الامتثال المتخذة.

القائمون على رعاية أطفال:

  • عدم إنشاء حساب على إحدى منصات التواصل الاجتماعي لطفل دون سن الخامسة عشرة أو تمكينه من استخدامه، وعدم مساعدته على تجاوز إجراءات التحقق من العمر.
  • الاستخدام الفعّال لأدوات الرقابة الأبوية التي أصبحت المنصات ملزمة قانونًا بتوفيرها، ولا سيما بالنسبة إلى الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و16 عامًا.
  • متابعة النشاط الرقمي للأطفال الخاضعين للرعاية، واتخاذ التدابير اللازمة لمنع تعرّضهم للمحتوى الضار.
  • الإبلاغ عن أي محتوى ضار يتعرّض له طفل خاضع للرعاية إلى الجهات المختصة؛ إذ تُعدّ أدوات الإبلاغ المتاحة على المنصات نقطة الاتصال الأولى بالنسبة إلى المحتوى الضار بوجه عام، فيما يمكن اللجوء إلى قنوات مكافحة الجرائم الإلكترونية التابعة لوزارة الداخلية عند التعامل مع مواد خطيرة أو ذات طبيعة إجرامية.

كيفية إنفاذ القواعد

لا يزال نظام الإنفاذ، في وضعه الراهن، أكثر تطورًا فيما يتعلق بالمنصات الرقمية. وتتولى كلٌّ من الهيئة الوطنية للإعلام وهيئة تنظيم الاتصالات والحكومة الرقمية الإشراف المشترك على الامتثال، ويجوز لهما توجيه الإنذارات، أو فرض الحجب الجزئي أو الكلي، أو توقيع الجزاءات الإدارية على المنصات غير الممتثلة.

أما بالنسبة إلى القائمين على رعاية الأطفال، فإن الالتزام قائم ونافذ بالقدر ذاته، إلا أن جدول الجزاءات المحدّدة لم يصدر بعد. وقد تمّ تفويض مجلس الوزراء صلاحية إصداره، ومن المنتظر نشره لاحقًا. وريثما يصدر قرار الجزاءات، قد يترتب على قيام القائمين على رعاية الأطفال بالتحايل المتعمّد على آليات التحقق من العمر، ولا سيما من خلال تقديم مستندات مزوّرة أو بيانات غير صحيحة، تطبيق أحكام تشريعات مكافحة الجرائم الإلكترونية النافذة، بصورة مستقلة عن هذا الإطار التنظيمي.

فالرسالة الأوسع التي يكرّسها هذا الإطار التنظيمي واضحة ومقصودة: يُنتظر من القائمين على رعاية الأطفال أن يكونوا شركاء فاعلين في تأمين بيئتهم الرقمية. فمهما بلغت صرامة الضوابط التي تضعها المنصات، فإنها لا يمكن أن تحلّ بالكامل محل الرقابة الأبوية الواعية والفاعلة، التي قد تتحول إلى التزام قابل للتطبيق والمحاسبة من خلال أحكام القانون.

الخاتمة

انتقلت دولة الإمارات من مرحلة التطلّع إلى مرحلة الإلزام. فقد أصبحت السلامة الرقمية للأطفال متطلبًا قانونيًا منظّمًا وقابلًا للإنفاذ، في ظل قواعد واضحة تسري على المنصات والقائمين على رعاية الأطفال على حدّ سواء. من ثمّ، ينبغي للشركات والأسر التعامل مع الامتثال لا باعتباره إجراءً شكليًا لاستيفاء المتطلبات، بل بوصفه الحد الأدنى الذي ينطلق منه اليوم الاستخدام المسؤول للبيئة الرقمية.

uae-social-media-age-restrictions